التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة قصيرة /الاستاذ عمر بنحيدي

قصة قصيرة
                                                    نزوة 
 جميل هو الابن الوحيد لأبويه . ثمرة زواج لمدة سبع سنوات تقريبا  .كان عبد الله ورقية قد أوشكا على الطلاق، بعد ان استنفذا كل أساليب العلاج الحديثة والتقليدية. عقمهما كان لغزا ،حير الأطباء .فلا احد منهما به عيب خلقي يمنع من حمل رقية من زوجها عبد الله .لما تعبا من كل الوصفات استسلما لدوامة الخصام ،فهو  يطالبها بأن توقع له رخصة الزواج من امرأة أخرى  تنجب له ولدا  يحمل اسمه من بعده. ولكنها ترفض رفضا قاطعا لأنها ليست المسؤولة عن حالتهما وبالتالي لايمكنها أن تؤدي ثمن وضع ،هما معا مسؤولان  عنه بشكل من الأشكال.ولإرغامها على ذلك كان يعنفها  ويتصيد أدنى هفوة منها ليسمعها ما لذ وطاب من السباب والشتائم .وكانت تكله إلى المنتقم الجبار.تبكي في صمت ولا تخبر أي فرد من أسرتها بمعاناتها ، بل إنها تحاول وتنجح بشكل كبير في خلق السعادة بضحكاتها الطفولية وطريقة سردها للأحداث ،تجعل جليسها يفغر فاه وكأنه يشرب كلامها جملة وتفصيلا.  ‏هو أيضا يحاول تقمص دور السعيد في حياته الزوجية ،لكنه مقارنة معها يبدو كمبارس فقط.
 ‏  بمجرد أن يغادر الضيف أو الضيوف  يدخل كل منهما شرنقته ويغلق عليه بالمزلاج. لكن هذه القاعدة ستكسر حين يشتد الحنين بهما إلى بعضهما رغم عيشهما تحت سقف واحد. فيمزق شرنقته ويبدا في التقرب منها ومحاولة استرضائها .كم مرة لاتستجيب له ،لكن في الآونة الأخيرة كانت أسهل بكثير بل هي من يراوده  على فتح نقاش ما ،حول أي موضوع .المهم هو التواصل لأنها سمعت أحدهم عبر المذياع يقول إن التزام الصمت والتحليق في عالم خاص لمدة طويلة قد يسبب امراضا  نفسية معقدة وبالتالي الإقدام على سلوك متهورما .وخوفا عليه أن يسقط في الرذيلة،خاصة وانه صار كثير الغياب عن البيت، أو  يأتي سلوكا يؤذيها لينت من طبعها .ومدت حبل التواصل. بينهما.
 ‏مر شهر على هذا التعامل الجديد وإذا برقية ،وعلى غير عادتها،تستقبل زوجها على عتبة البيت ،بالأحضان  .سلوك جعله يرتاب في قدراتها العقلية:
 ‏  - مابك يا امرأة؟ 
 ‏  لم تجبه على الفور ،بل قادته إلى داخل الغرفة وطلبت منه :
-  قبل ان اخبرك بخبر سار ،عليك أن تصلي ركعتين  لله أولا .
    استجاب لها في صمت وهو يسائل نفسه عن نوع هذا الخبر. وأخيرا قالت بصوتها الرخيم و  ابتسامتها العذبة :
-  ستكون أبا ...
   لم يفهم قصدها ،رغم  أنه انتابته بعض  الهواجس.وبقيت تتأمل ر‏دة فعله ،ثم لاحظت كيف  اعتراه الشحوب ،وفجأة ارتمى عليها يعانقهامرددا :
-هل هذا صحيح ؟ لاتكذبي علي أرجوك .أقبل الضحك في كل شيء إلا في هذه المسألة .
 أكدت له أنها بالفعل حامل ومنذ شهر تقريبا. جثا  أمامها يطلب صفحها .انحنت عليه هامسة:
- إنس.. كنا معا متوترين ، والآن الحمد  والشكر لله  الذي استجاب لدعواتنا .
 ‏مرت شهور الحمل وهي «مرفوعة،» فوق كفوف الراحة .فعبد الله صار يلبي كل طلباتها مهما كانت.و لا يفتأ يدعو الله سبحانه و تعالى أن ييسر لها عملية الولادة.وقد تمت والحمد لله  بخير ، .و جاء المولود ذكرا .أضفى على حياتهما التي كادت تتمزق،  جمالا ورونقا ،لهذا اتفقا على تسميته بجمال.
  تعود جمال  ‏ تلبية  كل  طلباته وهو   مثل والديه عنيد  ، لا يتنازل عن هدف وضعه نصب عينيه ..وهكذا كان مصروف جيبه من مكتسباته ،كيفما كانت الظروف.سيما  وانه دخل. مرحلة المراهقة،وصار يقلد الكبار. خاصة أباه  في التدخين  . رغم تنبيهه من طرف  أمه إلى خطورة فعلته،لكنه لم يتعض من كلامها ،بل بدا مع شلة الفصل في تذوق لفائف الحشيش.
 ‏من بين الاهداف التي شغلته هو الظفر بامينة ملكة جمال الفصل.كانت اشبه بالفراشة رقة وجمالا ،في ساحة المدرسة تلتهمها الأعين التهاما سواء عيون بنات جنسها او الجنس الآخر .كل التلاميد اذن يدورون حولها كما تدور الكواكب حول الشمس  ،وهي تحس ببهائها الملائكي .ولكنها لم تكن قط مغرورة ،فلا تبخل عمن يبتسم لها زلفى ورياء أن تبادله ابتسامة تذيب الحجر .والحقيقة أن امينة ربتها جدتها من جهة أمها .فابوها توفي في حادث غرق باحد الانهار ،وفق ما اخبرتها جدتها .اما امها فقد توفيت خلال ولادتها المتعسرة ..لهذا تنادي جدتها فاطنة بأمها ،وتجيب حين تسأل عن والديها بانها يتيمة الابوين .
 ‏ كانت رقية منقبضة القلب منذ الزوال، وكانت قد رجت ابنها جمال بالا يغادر البيت هذا اليوم ،ولكنه اصر على لقاء صديقته  امينة والترفيه عن نفسه من وعثاء الدراسة ،أخذ مفتاح سيارة أبيه وانسل خارجا كقط على أصابع قدميه .فلم تنتبه رقية إلا بعد ان زمجر محرك المرسديس الأنيقة لتختفي عن الانظار..
 ‏همس لنفسه : ربما قد وصلت قبل الوقت ،ولكنه لم يكد يكمل جملته حتى ظهرت له في المرآة قادمة و النور يحيط بها .كانها نجم تواضع وتخلى عن مداره في العلياء ليحط ويدرج فوق الارض.
 ‏فتح لها باب العربة ولما اعتدلت في جلستها مال كل منهما نحو الآخر ليتبادلا  قبلة خفيفة .بعدها انطلقت العربة لا تكاد تلامس الأرض .صاحت فيه ،-
 ‏- جمال من فضلك تمهل .أخفظ السرعة .
 ‏ولكن جمالا كان يتسابق  وسيارة  أخرى تسير جنبه  ،تريد أن تسبقه .كما ان تأثير الحشيش قد لعب برأسه  أما رجله  فتدوس البنزين أكثر وأكثر وهويحس بالزهو والفخر لأن ملكة جمال الفصل تركب جنبه، وهما معا  يطيران في السماء .
 ‏- لا تخافي حبيبتي و...
 ‏لم يكد يكمل جملته حتى  وجد نفسه أمام :  (حيوان،لا إنسان  .لم يكن متأكدا. ) انقلبت السيارة. وتدحرجت نحو السفح ....
 ‏ كاد الأبوان ان يقضيا بمجرد سماعهما الخبر السيء من أحد رجال الشرطة .وفي المستشفى  بمجرد ان تأكدت  الجدة من ان الماثل امامها هو : عبد الله،  التوت عليه كأفعى وشرعت في ضربه بعصاها صائحة : 
- الغدار ،الخائن .
   تشكلت حلقة من الفضوليين حولهما ، حاولت زوجته رقية   إبعادها عنه : 
- سيدتي أتركي زوجي .هل جننت؟ 
أجابتها العجوز والدموع شلال من مآقيها:
- انت زوجة هذا الغدار؟ وعد ابنتي بالزواج ولكنه استغفلها واختفى .
 - ولكن سيدتي متى حصل هذا؟ 
- إسألي  هذا المجرم لاشك أنه  سيتذكر  متى  ؟ 
حاول إنكار كل ذلك، ولكن العجوز واجهته بصورة لابنتها وبرفقتها شاب ممسكا يدها.
تأملت رقية الصورة وتأكدت ان الرجل زوجها بعينه .فاستفسرتها عن الفتاة التي في الصورة وكان ردها كالصاعقة على رقية : 
- قتلها المجرم غما وكمدا .فقد تركها حامل في شهرها الاول واختفى .والمسكينة قضت وهي تضع أمينة. 
- من هي أمينة؟ 
 إنها ترقد في المستعجلات مع أحد المتهورين .
 ‏تبادل الزوجان نظرات استغراب  .لكنها  دون ان تشعر   ارتمت عليه كما ترتمي لبؤة على فريستهعا وطفقت تلطمه امام الجميع ثم انطلقت ألى حيث يرقد جمال غير واع بما يجري حوله  وهي تبكي وتردد: خائن ، غدار.
 ‏اما هو فقد أسند ظهره ألى الجدار خائر القوة ، متحسرا على  نزوة ظن نتائجها  اختفت ولن تظهر ابدا .
 ‏ انتهت .
عمر بنحيدي  20/6/2019.  

 ‏

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لأنك غايتي / بقلم الشاعر رمزي الناصر

Pearls of Criticism, Literature and Arts. لأنك غايتي ،،،،  خذني إليك إذا عزمت فداءها أنوي الجهاد متى أقول لأسمعك أرويتها فجر انتمائك واثبا وأنا الذي لاشيء منّي ضيّعك أقصى وإنّي مذ دعوت توسّلا كانت حصاة الموت ترسم إصبعك لاجبن عندي كي أزمّل راحتي هذي الشهادة تشتهيني موضعك  أحييك في قلبي لأنك غايتي في صونها أُدمى، أصول لأرجعك وإذا شدوت مع الرصاصة دلّني فالحرب تسقينا هوى كي أسمعك أبكيتني ياقدس ثم لممتني أُخزي الذي فرض الحصار ليخضعك والله روحي لاتطيق هواننا  والله قلبي لن يراوح مخدعك قد جئت أرنو إذ أموت ترنّما في كل معركة سأربك مضجعك أتظنّني ذكرى بوصفك أنثني صاحت ظنوني إنّني من أودعك ولقد ضممتك قبّة في عالمي حتى فديتك مستجيرا أضلعك                                         رمزي الناصر

سياط الحنين /الاستاذ فريد الصفدي

بحر الرمل                         شعر عامودي                        سياطِ الحَنين           صالَـنـي فـي ذروةِ الشوقِ احتِجاجْ           شــــقَّ صبـري وانتِظـأري وحَـنيـني           سيّــــــداً كـــانَ بـأعـمـاقِ المُـهـــاجْ           قَـتَــلَ الحُلـمَ الّـــذي كــانَ جَـنيـني           ضلَّـنــي شـــــلَّ بـقنـواتِ الخِـــلاجْ           ســــدَّ قُـنـوا الروحِ والدمــعُ بعيني           عـجَقَ الـــــروحَ بـسُــــمِ الأبـتِهـاجْ           ســــارَ دربـــاً قــاصِـداً ألّا يَجــيـني           وتَـلاشى آخِـــــذاً كُــــلَّ الـعِــــلاجْ           تـارِكـاً نُـــدْبُ صَلاتي علــى جَبيني     ...

هل نحن نساق /بقلم شريف القيسي

طه عثمان البجاوي ها نحن ذا ننساق  خلف ترهات الماضي وبأرادتنا نعود لنفس المربع كم أعدت عدة مرات  على مسمعك أن البنيان  آيل للسقوط وقد كاد يتصدع فقمت بادخال الغربان الى الأوطان وجعلت سرنا لها مستودع وصممت أذنيك عن الرجاء والنداء وجعلت بين فكيك للاوطان المصرع لغاية هذه اللحظة  أراك يا صاحبي لم تدرك بعد ان الاوطان لا تقوم على إثنان  لا يساون دون مجاميع بني الانسان  في ألاعراف عقلة الأصبع لغاية هذه اللحظة  أراك يا صاحبي لا تدري بأن الأوطان تجري في الشريان كإيمان حق في الروح أبدا لا يتزعزع لما لا تترجل عن صهوة العناد  وتمتطي الريح وتطوف كل البلاد  وتدخل الى القلوب من الباب الأوسع  أجعلت من عيد ميلاد  كومة من الحطب المتإجج بوحشية يأكل الاخضر واليابس لا يمل ولا يشبع فلتغمد سيف نقمتك  ولتكتم صوت الوشاية الصادح  في ارجاء الاوطان فلا خير في الدنيا وبالتي هي احسن كل العالمين إدفع  أعلم إن رجائي صار بلا جدوى وأعلم ان كل الاشياء تمعن في الفراغ وقد تكون هذه فرصتي الاخيرة قبل الغروب لاكتب قصيدة يكون فيها للاوطان بهاء المطلع #القيسي