#حركية النص في اتجاه صورنة الفكرة #
كيف يتحرك نص الفطيمي؟ في اي اتجاه ينطلق بوحه؟ وما
هي الآليات التي يوظفها كي يبني الصورة ؟
أسئلة قلما يفكر فيها الشاعر، اقول اي شاعر الذي لا يخلص لميثاق القصيدة،، لأن صناعة النص بهذا الشكل لم تكن من خلال لبنات مهترئة توضع بشكل عشوائي دون سابق تفكير، بل هو بناء ثلاثي الأبعاد.
1/البعد الأول اسميه، البناء الذهني للنص
الشاعر قبل إنتاج النص، اي قبل مأسسته داخل لغة الشعر ،يعمل على تصور شكل النص على مستوى الذهن، الذي يستحضر فيه الشاعر مخياله الذي يرسم مداخله ،ويبني جمله الافتراضيه، هنا تكون المتعة الذاتية، التي تحسم في قرار الشاعر كي ينتقل إلى البعد الثاني
2/البعد الثاني اسميه البناء الفكري للنص
عندما ينتهي الشاعر من الكتابة الذهنية، تأتي الكتابة الشعرية او ما اسميه الكتابة الفعلية، والتي تقوم على التوجيه الفكري للنص، والرؤية الجمالية التي يختارها الشاعر، والبعد الأيديولوجي، أو ما قصدية النص، مرحلة حاسمة هنا لأن الشاعر لا يكتب النص من فراغ بل يكتبه من خلال المرجعيات المتعددة،، فهاته المرجعيات هي التي توجه النص وتبني خارطة طريقه، دونها يبقى النص فارغا،مع الأسف هذا ما نلاحظه عند بعض شعرائنا الذي يكتبون نصوصهم معلقة في الهواء، بعيد عن الرؤية والموقف
3/البعد الثالث ،البناء الواعي للنص
سميته بناء واعيا ،لأن الشاعر هنا من المفروض أن يتحول إلى قارئ لنصه مسائل له كأنه غريب عنه، يحذف الشوائب ينقح الجمل، يعيد النظر في بعض الصور، بمعنى ان الشاعر بعدما أن كان متصالحا مع نصه يصبح متصادما معه، وبين اللحظتين يتحرك النص وينمو ويكتمل شكله.
هاته هي الأبعاد التي هي منطلقات شاعرنا مصطفى لفطيمي ،،لهذا تجد نصه بهذا الشكل ، عصي على الفهم من خلال القراءة الأولى، عنيد في شكله الشعري، عميق في معانيه ،لا يفتح لك أبوابه بسهولة، يفرض عليك أن تلتزم بنفس الأبعاد التي مر منها صاحبه.
هذا النص والنصوص الأخرى تبين صدق ما نقول، فهذا النص رغم صغر حجمه الا انه يتطلب رحلة طويلة في مسالكه كي تصل إلى المعنى الهارب على حد تعبير كليطو ، لنقترب منه بعض الشئ دون المساس اكثر بحرمته الجمالية، كي اترك للقارئ متعة القراءة العالمة الباحثة عن المسكوت عنه.
* عنونة في اتجاه متعة الغرابة
اختار الشاعر جملة مكونة من كلمتين كل كلمة مفهومة لدى القارئ ،العين ،،ثم الحصان، لكن الغريب المقلق هو إضافة عين واحدة للحصان، هنا يفرض الشاعر على القارئ ان يدخل في نقاش متأمل مع هذا العنوان،، هل الحصان له عين واحدة؟ اكيد لا، أليس الشاعر واعيا بهذا التوظيف؟ نعم هو واع به، هو يريد أن يقدم لنا جملة بسيطة لكنها عميقة كي يدفعنا إلى البحث عن الطريق التي توصلنا إلى منطق الشاعر الذي بنى من خلاله هاته الجملة
العين هي وسيلة الرؤية ،بها نرصد العالم، لكن نحتاج إلى عين أخرى كي تكتمل هاته الرؤية ،هي العين الغير المرئية عين القارئ، عين الحقيقة، وعين الحصان تحتاج إلى هاته العين المكملة، ،واختيار الحصان يذكرني بتوظيف الشاعر المرحوم عبدالله راجع حين قال
أسندت راسي على عرف جوادي
سقطت دمعتان
أنا ما بكيت
ولكن،،،، بكى في عيوني الحصان
لاحظوا معي توظيف الحصان عندما يقترن بالعين، والحصان يقترن بالهوية العربية، بالشموخ، بالمعارك ،،الخ
اترك القارئ كي يؤول المعنى حسب قدرته وتمكنه من الأداة الشعرية الموظفة،
*براعة الصورة في إنتاج المعنى
اعتبر الصورة المقياس الأول في شعرية النص ،هي التي تمنحه هويته ،وتجعله نصا شعريا يحمل أسرار المتعة ،لا أطيل في تعريف الصورة وفي أهميتها في بناء القصيدة ما يهمني هنا هو الوقوف عند الصورة التي من خلالها ينتج الشاعر معناه، وأنا أجزم بأن لفطيمي من بين الشعراء الذين يتقنون تشكيل الصورة ،لنقف عند بعض الأمثلة هنا، والتي بنيت من خلال الانزياح، والرمز والمعنى المفارق،
أنالا انفخ الريح في الشقوق،
وانما في كومة الحجارة.
و الرماد
صورة تحمل المعنى القريب البعيد،، كيف ينفخ الريح،؟ الريح، (لم يقل الرياح) هي مكون من مكونات الطبيعة خارجة عن ملكية الإنسان، لكن هنا يجعلها الشاعر عنصرا يتحكم فيه فهو لا ينفخها في الشقوق، سيكون الوضع لا معنى له، بل ينفخها في كومة الحجارةوالرماد، النفخ توظيف لقوة الزفير كي تصل الريح كومة من الحجارة والرماد وعندما تصل يكون الاشتعال، فالاشتعال لا يكون بين الشقوق، إنه يكون في الحجارة التي تحتفظ على النار والرماد الذي يخفيها،
قلت سابقا الشاعر لا يبني نصه من فراغ بل هي كتابة واعية لها ما يبررها في النص.
النص يحتاج إلى وقفة مطولة ، كما قلت لا أريد أن اعري المعنى ويخيب ظن القارئ اتركه يستمتع بهذا التشكيل الذي رسمه الشاعر بأصابع من ذهب،، لقد بنى نصه بوحدة متكاملة، دليلنا في ذلك خرجته الجميلة التي قال فيها :
انظر إلى الحصان،
وإلى الزجاجة.
ثم اصرخ في السائس
و القرصان
فتح نصه إلى مؤشرات تقرب القارئ إلى إعادة قراءة النص كي يفهم الماقصديةالمتوارية خلف الصورة
تركيبة جملية ربما تتلف القارئ وتجعله في حيرة من أمره
يامرنا ان ننظر إلى الحصان وإلى الزجاجة، ما علاقة الحصان بالزجاحة؟ والنظر يفترض وجود العين، هل هي تلك العين الثانية ؟ربما،،
لكن يامرنا ان نصرخ في وجه السائس الذي يروض الحصان، والقرصان الذي يرتبط بالسرقة في البحر، الصراخ هنا تمرد على من يوجه المجتمع توجيها خاطئا ،،
لا أريد أن أفضح النص اترك بعض الجوانب المغلقة كي يستمتع القارئ بفتحها،،
شاعر الفكرة بامتياز او شاعر الموقف هو مصطفى لفطيمي يجدد في كتابته الشعرية، يطور آلياته، اعتز برفقتي لهذا الشاعر الذي يحمل صمتا كالرماد لكنه فيه نار، فيه صرخة الشعر التي يحمله بين كيانه ويجعلنا نتقاسمها معه
بوسلام حسن
----------------------—--------------------------------------------------
عين الحصان
بيدي الباردتين ،
أتحسس وجهي المالح ، ثم أبكي :
من شدة الغضب
انا لا أنفخ الريح في الشقوق ،
و إنما في كومة الحجارة ،
و الرماد .
و هذه الأصابع التي أغرس بها زجاجة
في عين الحصان
ليست أصابعي
- كلها من ورق -
ماعدا السبابة ، فهي من الماء و الرغوة .
أنا من فترة كأي قرصان زنجي
أرفع الراية السوداء ، و أبكي
- من فرط الألم -
و لكن في الشهقة الأخيرة من الليل :
أفرك عيني و أفتل قلادة من الخز ،
أضعها في جيبي حتى إذا سال دمعي
و اهتزت اليابسة :
أنظر إلى الحصان ،
و إلى الزجاجة .
ثم أصرخ في السائس
و القرصان .
مصطفى لفطيمي
(المغرب)

تعليقات
إرسال تعليق