التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غربة وطن::/ بقلم / د. عز الدين حسين أبو صفية ،،،



غربة وطن::

فكرت كثيرا عن أي موضوع أكتب ، عن غربة وطن أكتب ، أم عن السلام ، أو عن الانسانية أكتب ، فجميعها مواضيع غاية في الأهمية ، وبعد تفكير مركز وجدت بأن أكتب في موضوع غربة وطن .وهذا المقال ليس بالمقال السياسي ، ولكنه مقالاً يجسد فقدان شعب لوطنه وتشتت معظمه في مختلف بقاع الأرض وأصبح العديد من أفراده يعاني من غربة الوطن كما أنهم لا زالوا يعانون من الغربة التي خلقت لديهم معاناةً حقيقيةً وحنين للوطن بسبب وجودهم في بلدان غير وطنهم ولكنها لا يمكن لها أن تكون بديلاً لهم عن وطنهم الأصلي .
الوطن هو أغلى ما للإنسان لأنه يمثل بالنسبة له البيت والاستقرار والأمان والحضن الدافئ والحنان وهو بالنسبة له الهوية والعنوان.
فكيف عندما يُسرق الوطن من شعب مسالم يؤمن إلى حد كبير بالسلام ويعشقه وعاش حياته وفق نظمه وقيم المحبة والتعايش الانساني والأخوي ، كيف عندما يُطرد شعب من موطنه ومن مدنه وقراه التي ورث العيش فيها عبر القرون المتتابعة من الزمن ، ورثه عن أجداده وأنشأ العمران والحضارة والتاريخ والتراث فيه ، وأقام مجتمعاته الإنسانية وبنى مقومات الحب و الانتماء لها ، زرع أراضيها وبيادرها وأضاء مصابيح الاستقرار والأمان فيها ، بشمسها وقمرها وظلال شجرها وعذوبة مائها وصفاء سمائها وبحرها و استمتع بأمطارها وأنهارها وأزهارها وبكل فصولها من الربيع والصيف والخريف والشتاء وأصبح جزءاً منها ومكونا أساسياً من مكونات الوطن ، كيف لهذا الإنسان أن يكون بعد أن يسلب منه كل مقومات الحياة ، ومن ثم يُطرد من وطنه بالقوة وبالقتل والمجازر التي ارتكبت بحقه ويشرد إلى خارج دياره ، فلم تعد نظراته ترى كل ما أقامه لأجل أبنائه وفقد كل علاقة وكل رابط يربطه بالوطن المسلوب ، فلم يعد يترحم على أمواته وحُرم من زيارة مقابرهم التي سويت بالأرض ، شعب تشرد وهُجر قَسرا من وطنه ، ولكن لم يمت عنده الامل بالعودة إلى وطنه ومدنه وقراه مهما طال الزمن ، وظل محتفظاً به على مدى سبعة عقود وسيستمر حتى العودة ، ظل محتفظاً بمفاتيح منازله وبمفتاح الوطن ، وهو الامل بالعودة ، مؤمنا بأن الحق لا يضيع مهما طال الزمن .     
رغم كل الظروف القاسية حاول هذا الشعب التكيف مع ظروفه الجديدة ليستمر بالحياة ، فبنى كل مقومات الحياة والاستمرار في كل الأماكن التي كانت مهجعاً لهم واستمروا في البناء الذاتي والنفسي والاجتماعي والتعليمي والنضالي ، إلا أن كثيراً من الظروف الصعبة والحروب لاحقتهم وأدت بهم إلى التشتت إلى خارج مهاجعهم التي من المفترض أنها مؤقتة إلى حين عودتهم ، فتشرد العديد من الأسر إلى خارج تلك المهاجع إلى مهاجع اخرى خارج حدود الوطن وبدأوا ببناء ذاتهم من جديد محاولين لأن يظلوا في البال كجزء لا يتجزأ من شعبهم ووطنهم .
كان لحرب عام ١٩٦٧ نتائج كارثية على الشعب الفلسطيني حيث تسببت تلك الحرب بإعادة تشريد وهجرة ونزوح الكير من العائلات إلى خارج الوطن ولم تتمكن تلك الفئة من التواصل مع أهاليهم فحُرمت من المشاركة في كل مناسباتها إن كانت مناسبات أفارح أم أحزان كما أنها لم تتمكن من زيارة الآباء الذين شاخوا وتوفاهم الله دون مشاهدة أحفادهم .
هذا كما أن تلك الفئة قد هَرمت وتوفى الكثير منهم ولا يعلم أبنائهم عن أجدادهم واعمامهم واقربائهم أي شيء وأصبح التواصل بينهم عبر التليفون الذي كان نادر الوجود وأصبح التواصل الآن عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، ورغم ذلك إلا أن حرارة الانتماء أصبحت باردة ولم تعد دوافع القرابة والتصاهر تربط الكثير منهم ، إضافة الى ان كثيراً من بيوت تلك الأسر قد أغلقت بسبب عدم تمكنهم من العودة وتوفى الأب والام الذين كانوا بمثابة الجاذب الرئيس لهم للعودة وزيارتهم.
بلا شك بأن ذلك سَبَبَ شعوراً واحساساً دائما لتلك الفئة بالغربة المؤلمة عن الوطن واصبحوا معها أكثر حنينا له ويعبرون عن ذلك بوسائل مختلفة في الاحتفالات والمناسبات بحيث يدفعون بارائهم واحاسيسهم الجياشة أثنا أحاديثهم وكلماتهم ليترجموا ألمهم من الغربة والحنين الجياش لوطنهم الذي أصبحت بعيداً عنهم واصبحوا بعيدين عنه ليس عبر المسافات فقط وإنما عبر الشعور بأنهم بعيدين عن التواصل والاندماج مع كل مكونات الوطن ومقوماته بشكل مباشر ولا يمكن لهم بأن يعوضوا ذلك من خلال التواصل عبر الأثير ووسائل التواصل الإجتماعي أو عبر الزيارات التي لا تكون فاعلة في تنمية الإحساس بعدم الغربة وذلك لما تتركه تلك الزيارات من آثار نفسية مؤلمة خاصة عند انتهاء مدة الزيارة التي تحددها تصاريح الزيارات ، وهنا يبدا الزائرين بالمغادرة ، فينمو لديهم شعور مؤلم بالغربة وكأنهم مواطنون لا ينتمون لوطنهم الأصلي ، بل أن هناك أوطان بديلة لا أمن ولا أمان فيها ولا تنمو فيها مشاعر المواطنة الحقيقية ولا دفئها وحرارتها ، فيظل الشعور بالغربة هو سيد الموقف في ظل عدم وجود الترابط المجتمعي والألفة مع غيرهم مما يزيد لديهم من ألم الغربة والقهر .
من هنا نرى بأن غربة الوطن تتسبب بترسيخ الشعور بالحنين للأهل والوطن ولسماع ومتابعة كل أخياره ، ولكن يظل الإحباط وعدم تنامي الشعور بالأمل والأمان هو الحالة السائدة .

د. عز الدين حسين أبو صفية ،،،

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

النقد الكامل لقصيدة الشاعر المغربي مصطفى لفطيمي عين الحصان / الناقد المغربي حسن بوسلام

#حركية النص في اتجاه صورنة الفكرة # كيف يتحرك نص الفطيمي؟ في اي اتجاه ينطلق بوحه؟ وما  هي الآليات التي يوظفها كي يبني الصورة ؟ أسئلة قلما يفكر فيها الشاعر، اقول اي شاعر الذي لا يخلص لميثاق القصيدة،، لأن صناعة النص بهذا الشكل لم تكن من خلال لبنات مهترئة توضع بشكل عشوائي دون سابق تفكير، بل هو بناء ثلاثي الأبعاد. 1/البعد الأول اسميه، البناء الذهني للنص الشاعر قبل إنتاج النص، اي قبل مأسسته داخل لغة الشعر ،يعمل على تصور شكل النص على مستوى الذهن، الذي يستحضر فيه الشاعر مخياله الذي يرسم مداخله ،ويبني جمله الافتراضيه، هنا تكون المتعة الذاتية، التي تحسم في قرار الشاعر كي ينتقل إلى البعد الثاني 2/البعد الثاني اسميه البناء الفكري للنص  عندما ينتهي الشاعر من الكتابة الذهنية، تأتي الكتابة الشعرية او ما اسميه الكتابة الفعلية، والتي تقوم على التوجيه الفكري للنص، والرؤية الجمالية التي يختارها الشاعر، والبعد الأيديولوجي، أو ما قصدية النص، مرحلة حاسمة هنا لأن الشاعر لا يكتب النص من فراغ بل يكتبه من خلال المرجعيات المتعددة،، فهاته المرجعيات هي التي توجه النص وتبني خارطة...

لأنك غايتي / بقلم الشاعر رمزي الناصر

Pearls of Criticism, Literature and Arts. لأنك غايتي ،،،،  خذني إليك إذا عزمت فداءها أنوي الجهاد متى أقول لأسمعك أرويتها فجر انتمائك واثبا وأنا الذي لاشيء منّي ضيّعك أقصى وإنّي مذ دعوت توسّلا كانت حصاة الموت ترسم إصبعك لاجبن عندي كي أزمّل راحتي هذي الشهادة تشتهيني موضعك  أحييك في قلبي لأنك غايتي في صونها أُدمى، أصول لأرجعك وإذا شدوت مع الرصاصة دلّني فالحرب تسقينا هوى كي أسمعك أبكيتني ياقدس ثم لممتني أُخزي الذي فرض الحصار ليخضعك والله روحي لاتطيق هواننا  والله قلبي لن يراوح مخدعك قد جئت أرنو إذ أموت ترنّما في كل معركة سأربك مضجعك أتظنّني ذكرى بوصفك أنثني صاحت ظنوني إنّني من أودعك ولقد ضممتك قبّة في عالمي حتى فديتك مستجيرا أضلعك                                         رمزي الناصر

راودتني في حبها / بقلم الشاعر المتحلج / طه عثمان البجاوي

راودتني في حبها   وأنا العفيف لست للعشق انهل اهو عشق كما الطير يعشش ام  هو حب كما الاعذر الانبل ام هو نور الرحمان في القلوب الأشمل ام هو قدر الاولين  الاعذل  فترقرقت كما السلسبيل تتجمل  وتبخترت  وتجملت وتغزلت سر  بدا في مكنونها قد خصها  من منح الحسان في الاهداب الانخل ما كل ما  يحلو في عبون العاشقين  فيه حسن النوائل  خير الانفس من كانت  فيها للزهد  تنهل  ما  نائل الحب في العشق  كل الانفس  من ظن انه فينا للعشق حامل حمل غواية وفي الادبار شائل  أنا الزاهد عن حبها رغم اني أحبها  أنا الماجد.في ودها وهي الودود الأجمل بقلم / الشاعر المتحلج / طه عثمان البجاوي